Search
Close this search box.
من أهم الدروس التي لقنتها جائحة كورونا للكنيسة، أنه من الحكمة ألا نتكلم في المواقف التي تحتاج إلى الصمت. ففي بداية الجائحة، أسرع الكثير من الكهنة والخدام بالحديث باسم الله، لإعلان غضبه الساطع على البشرية الفاسدة، ولا أدرى كيف ينصّبون أنفسهم كمتحدثين رسميين باسم الله؟ هل الله غير قادر على التعبير عن ذاته؟ بالطبع لا، فالله يستطيع أن يعلن بطريقة لا تدع بها مجالًا للشك أنه غاضب، يستطيع إنزال نورًا من السماء، ورعدًا، وبرقًا! والأهم من ذلك، هل لنا الحق في أن نتكلم باسم الذات الإلهية، مبينين مشاعرها حين تغضب، وحين تسر؟ وكيف نتجرأ على تحديد نية الله وضميره من الأحداث بهذه السهولة والسرعة؟! فنحن نتعثر في فهم البشر المحدودين في كثير من الأحيان، فكيف نجزم أننا نفهم الله غير المحدود!

إِذًا لاَ تَحْكُمُوا فِي شَيْءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ، حَتّى يَأْتِيَ الرّبّ الّذِي سَيُنِيرُ خَفَايَا الظّلاَمِ وَيُظْهِرُ آرَاءَ الْقُلُوبِ. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْمَدْحُ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنَ اللهِ

(1 كورنثوس 4: 5)

 

باسيلوس الكبير والكورونا

لننتقل الآن إلى تعاليم آباء الكنيسة الأوائل ورؤيتهم للأوبئة. يقول ال:

“من ينسب الشر إلى الله يشبه الوثني. من يقول “ليس إله” هو الذي لا يملك عقلًا ولا حكمة، كذلك من يقول “الله مسبب الشرور” هو شبيه به، لأن الأول والثاني ينكران “الله الصالح”. فالأول يقول “لا يوجد إله”، والآخر يقول “إن الله ليس صالحًا”؛ لأنه لو أن الله هو مسبب الشرور فهذا يعني أن الله ليس صالحًا، إذًا هناك إنكار لله من كلا الجانبين.

يتساءلون من أين تأتي الأمراض؟ من أين هذه الميتات المبكرة؟ من أين الدمار العظيم الذي يلحق بالمدن؟ من أين العواصف؟ من أين الأوبئة؟ إن هذه الأمور تعتبر -في نظرهم-: بالطبع شرورًا وكلها من أعمال الله! ويتمادوا في ذلك بقولهم: “من هو الآخر الذي يمكننا أن نتهمه بارتكاب هذه الحوادث إلا الله.”

(القديس باسيليوس الكبير، كتاب: “الله ليس مسببا للشرور“، صفحة 19)

هل تدرك خطورة هذه الفقرة؟ القديس باسيليوس الكبير يساوي بين من يقول إن الله يسبب الشر، وبين الوثني؛ لأن الاثنان لا يعرفان الله الصالح الحقيقي في نهاية الأمر! فما الفائدة من أن تعرف أن المسيح هو الله، وأنت لا تعرف من هو بالحقيقة؟ من ينسب لله الشرور يعبد صورة مشوهة لله وليس الله الحقيقي. هذا هو رأي أحد أهم  آباء الكنيسة الأوائل في القرن الثالث.

 

رؤية كنيسة العصر الحديث لله والشرور

يجد الكثير من محبي تغذية الشعور بالذنب عند الموعوظين في كورونا فرصة هائلة لممارسة هوايتهم المفضلة، وخرجوا علينا ليصرحوا بأنه قد حان الوقت للثأر الإلهي بواسطة الغزوة الفيروسية للقضاء على الملحدين، والمثليين، والهراطقة. وبدلًا من أن يبكوا مع الباكيين، شاعرين بمخاض كوكبنا الشقي، شرعوا في الشماتة في الخطأة، قائلين: ” قد قلنا لكم ماذا سيفعل الله بكم لكنكم لم تسمعوا! انظروا كيف يحتار العلماء في فيروس شديد الصغر، لا يُرى بالعين المجردة!” فالحديث قد انحدر وتدنى إلى مستوى طفولي، مثير للشفقة.

يقول القمص للشعب: أن الأهم من متابعة الأخبار والاهتمام بالإجراءات الاحترازية، هو معرفة الرسالة الإلهية، التي استلمها هو بنفسه من الله لكي يقصها علينا بالطبع. وأتعجب من ذلك الذي يظن نفسه من كوكب آخر؛ فهل تعتقد أن الله يسيج حولك بحماية خاصة دونًا عن باقي البشر، ويستثنيك من الألم، وهو لم يستثني ابنه الوحيد؟!

كما يقول القمص داود لمعي، أنه لو لم نركز على عقاب الله وسخطه، كيف سيتوب الشعب: “أمال الناس هتتوب إزاي؟” ولا أعلم هل يعتبر الله التوبة والصلاة، انطلاقًا من الخوف منه وتجنب عقابه، توبة حقيقية وصلاة فعلًا أم لا. فهل نظام الابتزاز بأن نصلي ونكف عن فعل الخطيئة في مقابل ألا يصيبنا الله بمكروه، فيه من التقوى في شيء؟

ولو كنت، كخادم، لا تستطيع مساعدة الناس على التوبة إلا بإرهابهم، فما هو الفرق بينك وبين داعش؟ وما هو التميز في أن تخرج على الشعب لتلقي في قلوبهم الرعب ليخروا ساجدين أمام الله، وحين ينتهي الخطر، يرجعون إلى حيث جاءوا؟ هل الخوف هو السبب الوحيد للتوبة حقًا؟ هل الله ليس به من الجمال ما يكفي ليحبه الناس طواعية؟

وعلى الرغم من الإيمان بأن الكورونا هي “غضب من الله على الأشرار بشكل واضح جدًا جدًا“، قد أصيب القمص وأسرته بها، بالإضافة إلى عدد مهول من الكهنة والشمامسة ممن فقدوا حياتهم. فحين أشار القمص إلى الكورونا قال: “كلمة وباء كانت مقترنة دايمًا بغضب الله في العهد القديم يا أحبائي.”

لكننا نعرف من العهد القديم كذلك أن الله “لا يهلك البار مع الأثيم“، فهل من تنيحوا من الكهنة، والخدام، والأطفال أشرار؟ فالعلامة الفاصلة أن الغضب مُنصب على الأشرار، هو نجاة الأبرار منه، كما رأينا في قصة ، و.

فَتَقَدّمَ إِبْرَاهِيمُ وَقَالَ: «أَفَتُهْلِكُ الْبَارّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارّا فِي الْمَدِينَةِ. أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ وَلاَ تَصْفَحُ عَنْهُ مِنْ أَجْلِ الْخَمْسِينَ بَارّا الّذِينَ فِيهِ؟ حَاشَا لَكَ أَنْ تَفْعَلَ مِثْلَ هذَا الأَمْرِ، أَنْ تُمِيتَ الْبَارّ مَعَ الأَثِيمِ، فَيَكُونُ الْبَارُّ كَالأَثِيمِ

(تكوين 18)

فإذا هلك الأبرار، كيف سيعلم الأشرار أنهم المقصودين من الوباء؟ والمفارقة أن من يلعنون الغرب الملحد الكافر المثلي، قد هرعوا لتلقي اللقاح المصنوع بواسطة هؤلاء الكفرة!

وهل يعني نجاح اللقاح أن العلماء، والملاحدة قد غلبوا الغزوة الإلهية؟ فالصين هي أعلى دول العالم إلحادًا وقد نجحت في إنتاج لقاح فعال ضد الكورونا، وإنجلترا التي تضع صورة المثلي “آلان تورنج” على عملتها قد نجحت هي الأخرى، فهل قد فشلت الغزوة الفيروسية، وخطة الله؟

أترى كم هي خطرة تلك التصريحات، وكم هو سيء أن نتحدث باسم الله؟ وفي رأيك من جدير بالتصديق – رأي باسيليوس الكبير أم رأي القمص؟

 

الكنيسة الأولى والعهد القديم

ببساطة شديدة، لا يوجد سبب لنا، كمسيحيين، لقراءة العهد القديم سوى ما جاء فيه من نبوءات عن المسيح. فلا يوجد في صلوات الكنيسة (ال) أي شيء من العهد القديم، سوى ، وهي أيضًا تكون مرتبطة بإصحاح العهد الجديد المقرر قراءته في القداس، وبعص نصوص العهد القديم تُقرأ في أسبوع الآلام لأنها مرتبطة بالمسيح أيضًا.

لم تهتم الكنيسة الأولى بتاريخية نصوص العهد القديم، وتناولتها بقراءة رمزية؛ فالحروب، على سبيل المثال، ترمز إلى الحرب بين مملكتي الخير والشر. لذلك، لا توجد حروب العهد القديم في تاريخ الكنيسة، ولا حتى قصة عبور شعب إسرائيل لنهر الأردن. فهذه النصوص روحية، ولا نعلم أن كانت حدثت كذلك في الواقع أم لا. ونحن ككنيسة لا نستطيع أن نحارب حربًا باسم المسيح، كما حارب الشعب اليهودي. فالكنيسة الأولى لم تساو بين العهدين. نعم، وسيبدو الأمر صادمًا لك بعض الشيء حين تعرف أن أول من ساوى بين العهدين هو “” في القرن ال17، وسُميت هذه العقيدة بوحدة العهد (أي أنه عهدًا واحدًا، لا اثنين) كما رفض “كالفن” للعهد القديم، ونادى بحرفيته التاريخية، وانتشر هذا المبدأ من إلى الكنيسة الأرثوذكسية، والكاثوليكية.

قبل “جون كالفن”، كانت الكنيسة تقدس العهد الجديد أكثر بكثير من العهد القديم، لأن كان خاصا بشعب إسرائيل فقط، وجاء لهدف معين لهذه الأمة، ولم يعطه الله للبشر جميعهم: هل سمعنا أن الله أعطى الناموس لنينوى، أم أنه قبل توبتهم فقط؟

كان الهدف من العهد القديم هو تأديب البشرية لقبول النعمة بعد أن تفشل في الوصول إلى الله عن طريق الدين. ففشل الناموس في تقويم البشرية يعلمنا التجرد من الجمود إلى رحب العلاقة مع الله.

إِذًا قَدْ كَانَ النّامُوسُ مُؤَدّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرّرَ بِالإِيمَانِ

(غلاطية 3: 24)

 

لا دينونة

يعلمنا العهد الجديد أن الدينونة قد انتهت بموت الابن عن البشرية؛ فلن يدين الله العالم مجددًا، وإلا فما فائدة التجسد، وما قيمته إذا كانت البشرية التي مات المسيح لأجلها ما زالت تحت الدينونة!

وسوف تسمعون..

وَسَوْفَ تَسْمَعُونَ بِحُرُوبٍ وَأَخْبَارِ حُرُوبٍ. اُنْظُرُوا، لاَ تَرْتَاعُوا. لأَنّهُ لاَ بُدّ أَنْ تَكُونَ هذِهِ كُلّهَا، وَلكِنْ لَيْسَ الْمُنْتَهَى بَعْدُ. لأَنّهُ تَقُومُ أُمّةٌ عَلَى أُمّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، وَتَكُونُ مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ وَزَلاَزِلُ فِي أَمَاكِنَ

(الإنجيل بحسب متى، الإصحاح 24)

قال لنا أننا سنسمع عن أوبئة، وحروب، ومجاعات، واضطهادات، فبما أنك تؤمن أن الأوبئة من الله، فهل الحروب، والاضطهادات أيضًا من الله؟ هل الله يضع الشر في قلب الحكام، وينشف عشب الأرض، ويجفف مياه الأنهار حتى يتضور الناس جوعًا، بما فيهم الأطفال الأبرياء فقط ليؤمن الناس به؟ إذا قُلت إن داعش أكثر رحمة من هذا الإله الهش السادي الذي يتصوره البعض لما بالغت؛ فداعش تقطع رقبتك مرة واحدة، لكن المجاعات والحروب تقتلك ببطء رتيب!

اسمح لي، عزيزي القارئ، أن أقولها لك بصراحة، ولا تغضب مني: إن كنت تؤمن أن هذا هو الله الصالح، فأنت مريض نفسي، وتحتاج إلى علاج. ولذلك، أرجوك باسم الإنسانية -إن كنت تهتم بها أصلًا- أن تبتعد عن الناس قليلًا؛ فهم لديهم ما يكفيهم من أوجاع، ولا يجدون من يرفق بهم. وأنصحك بقضاء وقتلك مع إلهك السادي الذي تحبه، أغلق على نفسك باب الغرفة وتحدث معه في أي شيء تحبه، كإمكانية إنزال نيزك لدك المثليين مثلا، أو أعكف على تأليف ترتيلة ترجوه فيها أن يرسل الزومبي، أو يحي الديناصورات من جديد لتلتهم الملحدين، وأتمنى لك وقتًا سعيدًا.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]