Search
Close this search box.
هو اسم الكتاب الممتع الذي كتبه أنيس منصور سنة 1988 وصدر عن دار نهضة مصـر في 411 صفحة من القطع الكبير، وتوزع منه حاليًا في المكتبات الطبعة الخامسة الصادرة في عام 2008 -أي بعد عشـر سنوات كاملة من أول طبعة- ولم تنفذ حتى الآن!

يكتب فيه منصور رؤيته الشيقة عن حِقْبَة -بالذات السيتينيات التي يعشقها الإسلاميون، والحدق يفهم!- من واقع أزمة شخصية (تبدو للغريب طريفة) مرت به، لكن كان لها وقع النكبة والمرار الطافح على منصور! وكل ذلك كان بسبب مقالة نقدية يتيمة كتبها عن رائعة “السلطان الحائر” لعميد المسرحية العربية الفيلسوف الكبير في جريدة “أخبار اليوم” التي كتب فيها منصور مقالًا بعنوان “حمار الشيخ عبد السلام” وحملت غمزًا ولمزًا وإيماءات وإسقاطات واضحة عن نظام عبد الناصر “تودي في داهية!”.

يقول أنيس منصور عن المقالة: “كانت صورة لأعماقي الغاضبة الساخطة على الذي أصابنا جميعا”، ووقتها كان يوجد ما يسمى بالرقيب العسكري وكان مقررًا على جميع الصحف ودوره هو أن يراقب كل ما يكتب بالصحافة عن النظام أو غير النظام، ولذا فسـرعان ما وصلت المقالة عن طريق الرقيب إلى “علي صبري” عضو مجلس قيادة الثورة الذي ألمح لعبد الناصر من بعيد بمحتواها وهو يستعد للسفر، وسرعان ما تلقى منه إشارة مبهمة بأطراف أصابعه وهو يستعد للسفر بمعنى “فيمَا بعد”، وترجمها علي صبري طبعًا بما معناه فصل أنيس منصور من “أخبار اليوم”، ليس هذا فحسب، بل تعطيله إجباريًا أيضًا عن العمل بكافة مؤسسات الدولة، من جرائد ومجلات إلى مـسرح وإذاعة وتلفزيون!

ويمضي أنيس منصور في شرح العام ونصف الذي ظل فيه متبطلًا بالإجبار، وشاهد فيه تنكر الجميع له -خوفًا من بطش نظام ناصر- وهروبهم منه، ويستفيض منصور واصفًا جميع أنواع العلاج النفسي المهني التي اقترحها عليه “علي أمين” للهروب من جنون الفراغ، بدءً من تعلم الكتابة على الآلة الكاتبة إلى تعلم اللغات الجديدة!

ويحكي لنا أنيس منصور اتصاله بكافة مثقفين البلاد الكبار شاكيًا لهم ضيقه بدءً من توفيق الحكيم الذي اكتفى بالضحك والتندر على ما حدث بسبب مسرحـيته وحتى وعباس العقاد الذين شردا في التحليل النقدي واكتفيا بالتفلسف على ما حدث دون فعل شيء!

يأخذنا أنيس منصور من بعدها -من بعد تخطي أزمته الشخصية الطارئة مع نظام ناصر الذي لم يتحمل حتى التلميحات، بالوساطات الشخصية المضنية لدى القيادة السياسية- ليمشـي مع القارئ بكل رشاقة سني الهزيمة واصفًا بدقة كيف تجرعها الشعب المـصري صابرًا مرغمًا ساخرًا منكتًا فيقول:

وبعد 1967 لم يعد عبد الناصر يحكم مصـر. وإنما يحكمها رجال الحاشية، تمامًا كما كان يحدث في قصور آل عثمان. فعندما يكون السلطان طفلًا، أو شابًا غارقًا في الجنس أو الخمر، فكانت “الوالدة باشا”، أي أم السلطان التي ولدته سفاحًا هي التي تحكم السلطنة مستعينة بالطواشي والأغوات -وكذلك كان حكم مصـر منذ الهزيمة العسكرية حتى جنازة الرئيس- حتى في الجنازة كانت هناك مؤامرة على وراثة عرش مصـر

(أنيس منصور، عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا)

ثم يحكي بعدها عن تجارِب المثقفين المصريين الكبار من إلهام سيف الـنصر، حتى حسن دوح إلى د.اسماعيل صبري مستشار ناصر السابق إلى المثقف القبطي البارز د. لويس عوض في معتقلات عبد الناصر، التي زامل فيها الين والين (وضمنهم ولمن لا يريد أن يرى بعض الأقباط) و في التعذيب! ليستنتج لنا كعادته فلسفة جميلة ورائعة فيقول:

ولكن الضحايا ليس لهم إلا وجه واحد.. إنهم تعذبوا حتى الموت.. وبكت عليهم أمهاتهم وزوجاتهم وبناتهم.. سواء كان النصـر حليفًا لهم، أو حليفًا لأعدائهم.. فالذي شرب الشمابانيا حتى مات -الخديو إسماعيل وال- الذي مات عطشا مثل مئات الألوف من جنودنا في سيناء واليمن: جميعًا ماتوا

(أنيس منصور، عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا)

كأنما يوجه رسالة لنا من قبره عن أن ضحايا مبارك ومرسي في سلة واحدة -سلة الضحايا- شأنهم شأن ضحايا نظام ناصر من قبل.

تستخلص من الكتاب الذي يختمه برسالة مطولة من مصطفى أمين في السجن لعبد الناصر في 60 صفحة يدافع فيها عن نفسه ممن وشوا به من زبانية صلاح نصر، باكتشاف حديث قديم، ألا وهو أن المصريين لا يكتفون فقط بصناعة الفراعنة، لكنهم أيضًا يبرعون في ذلك أيما براعة، كأنما يتكسبون شخصيًا من ذلك الكثير مثلا!

المدهش الذي يرصده منصور في ذلك الكتاب الشيق هو أنه بالرغم من كل ما فعله ناصر بالشعب ألا أن الشعب بما فيهم من عذبهم ناصر ظلوا دوما يدافعون عنه ويلصقون التهمة -كعادة المصـريين الأثيرة- بالحاشية الفاسدة، كما لو أن حكامنا جميعهم سذج ويسهل خداعهم بكل بساطة منذ فجر التاريخ، وربما ذلك لأنه لو نجح الإعلام ذو النزعة الجوبلزية في أمة ما في تلبيس الحقائق بالأوهام، خصوصًا في عـصر إعلام الطبعة الواحدة من الجريدة، وحتى الإذاعة مرورًا بالتلفزيون، ولو نجح الفن الموجه للحاكم للفرد الذي يتملقه ليلًا ونهارًا جهارًا وسرًا بدءًا من المسـرح المدرسي في الأقاليم وحتى السينما وحفلات الموسيقى بالعاصمة، فسيؤثر هذا بقوة في أفراد هذه الأمة (خاصة لو كانت متأثرة بتراث العبيد) فتجعلهم يستطعمون المرار لأنهم تعودوا عليه، ويستملحون السياط ولو مغموسة بالزيت، لأنهم كما يبدو لا يعلمون غيرها أسلوبًا اسرع لتنظيم العمل!

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.. والله أعلم!

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]