Search
Close this search box.

يقول مأثور القول المنسوب لابن خلدون: لا تعلموا أولاد السفلة، فإن تعلموا، لا تستوزروهم ولا تولوهم الإمامة.
التفسير سيأتي لنا من حديث شريف آخر: إذا وُسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة.

الأمر واضح إذن، حين يتبوأ أولاد السفلة المشهد فالجحيم واقع لا محالة.

“الزلنطحي” هو التوصيف المعاصر لأولاد السفلة، واصل هذه المفردة، التي أصنفها كمنحوتة عبقرية، مختلف عليه. فالبعض يردها إلى أصل عثماني، وتعني ذلك الشخص “الحلنجي” الذي لا يتورع عن فعل كل شيء وأيّ شيء، حتى يقفز درج الواقع، يترك وراءه أصله الوضيع ليستقبل المباهج. بينما البعض الآخر يعيدها لمفردة “آشورية” هي “سلنطح” وهي تسمية لسرطان النهر الذي يشرع قرونه عند الإحساس بالخطر.

حين يتبوأ “الزلنطحي” السلطة والمكانة، فإنه لا يحيط نفسه إلا بالزلنطحية أمثاله (رائحتهم يسهل تمييزها)، فيما يسمونه بالإنجليزية “وين وين سيتيويشن”، فالزلنطحي الأكبر قادر على اعتصار وارتشاف ما يريده خلال أدواته من معاونيه الزلنطحية، والزلنطحي الصغير المعاون يشق طريقه بسهولة مقابل خدماته للزلنطحي الأكبر.

الاشتغال بالدين هو أحد أكثر حقول الجاذبية للزلنطحي الأريب، وهو الأمر الذي كان واضحًا جدا في اشمئزاز الرب يسوع من رجال الدين وتعنيفاته التي لا تصدر إلا بحق أولاد السفلة، والذين أشرعوا قرونهم فور شعورهم بالخطر.

إذا أخذنا المسيحية في بلاد تركب الحمير كمثال، سيكون زلنطحي الدين بروحين، فهو إمام وصاحب ، وفي الوقت عينه هو وزير، له أحباء عند العسس والتموين والري والشباب والرياضة.

سيكون مطلوبًا من الزلنطحي الذي ينوي اقتحام الحقل بعض المظاهر البسيطة؛ خنفة في الحديث، انحناء بسيط في أعلى عموده الفقري، ابتسامة بلهاء -سيغيرها لاحقٍا إن حالفه التوفيق- مع حشر بعض المفردات اللزجة في حديثه، الجودة في أداء الميطانيات أساسية، سيسلح نفسه بطبيعة الحال بحفظ الألحان واستعمال الدف، وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، فقد يلتقطه زلنطحي أكبر فيرسله إلى الدير تمهيدًا لأسقفته، أو يرسمه زلنطحي أقل نفوذًا من الأول أي قسًا.

سيخبرنا ال -في فائدة ربما تكون الوحيدة- عن سمات القديسين، ونستطيع أن نحاول أن نختار رجال الدين على نفس المنوال فنتجنب الوقوع بين براثن أولاد السفلة فالقديس يولد لأبوين تقيين ثريين اهتما بتربيته تربية مسيحية، لن تجد قديسًا سنكساريًا ولد لأب سكير مزواج مثلا، فهذا من طبائع الأمور، ونحن نعلم من سيرة الأنبا أنطونيوس أب جميع رهبان المسكونة وأساقفتها، إن ما حركه نحو القداسة هو أنه قد ذهب وباع كل ماله ووزع ثمنه على الفقراء. فلماذا لا تكون هذه هي قاعدة المسيحية الذهبية -في بلاد تركب الحمير أو حتى الأفيال- في اختيار الأساقفة، كشف موثق بما باعه نيافته قبل التوجه للرهبنة وإيصالات التبرع بما باعه، يكون هذا الكشف بمثابة أحد مسوغات تعيين الأسقف، فيقيم شعبه المستقبلي مدي جودة تربية أسقفهم المنتظر والمسافة التي تفصله عن أولاد السفلة الزلنطحية.

سيعتقد هنا المسيحيون إنهم قد سيطروا على خطر استسقاف أولاد السفلة، ولكنهم واهمين، فأولاد السفلة أكثر منهم براعة وجعبتهم عامرة، وهم قادرون على خداع ثعالب البر والبحر.

هنا ينبغي على المسيحيين الإقرار بأنهم يحتاجون خط دفاع آخر ضد اختراقهم، وإن أقروا، فسيلمع في أذهانهم على الفور الحل الذي أنتهجه الأقباط سابقًا فكان ناجحًا جدًا، حتى لو شابته بعض العواصف، وهو وجود مجلس علماني بسلطات واسعة، يعد على أولاد السفلة -إن وجدوا- أنفاسهم، ويتدخل لنزع أنيابهم إن احتاج الأمر، ولست متشائمًا حتي أفكر أن أولاد السفلة سيدفعون للترشح أولاد سفلة حليقي الذقون كما هو متوقع.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]