Search
Close this search box.

نشأت الأعياد من قديم الزمن لسببين؛ الأول للتذكرة مثل أعياد العهد القديم، مثلًا الذي يفكرهم بالخروج من أرض مصر والخلاص من العبودية، وأغلبها أعياد دينية والنوع الثاني، أعياد يغلب عليها الطابع الاجتماعي أو الحياتي مثل عيد الحصاد أو عيد وفاء النيل مثلًا الذي يُحتفل به لحدث سنوي أو كل عدة سنوات لكنه مرتبط بخير يحتفل به الناس.

المسيح حين جاء إلى عالمنا أعطى الأعياد مفهوم جديد مرتبط بطبيعته السرمدية (الأزلية الأبدية)، وهذا موضوع يسبب شيء من اللخبطة، لأن الناس لم تعتد على هذا، وليس سهلًا أن تستوعب هذه الفكرة، حين نقول أن المسيح فوق الزمان أو لا يخضع لقوانين الزمان والمكان، يمكن جملة نبدأ نفهمها مع قوانين الزمكان التي بدأ العلماء يتحدثون عنها في السنوات القليلة الماضية، وتوضح أن الزمان والمكان مجرد أبعاد فيزيائية يمكن تخطيها وهذا ما قدمه المسيح تلقائيًا لأنه غير خاضع لهذه القوانين.

المهم ودون خوض في أمور علمية، النتيجة أن الأعياد المسيحية لا هي أعياد للذكرى ولا هي أعياد لجمع المحصول، وإنما أعياد استحضار ومشاركة في الحدث مرة ثانية، وهذا ما أشار إليه المسيح في خميس العهد، وقال: “اصنعوا هذا لذكري” وترجمتها لـ “حضوري” أو “استحضاري”، (ليس مثل العفاريت طبعًا، لكن غالبًا نحن أخذنا منها موضوع الاستحضار)

وماذا حدث؟ ما حدث إننا كبشر لدينا قوالب نضع فيها كل شيء، ورغبتنا في قَبُول الغريب والجديد شبه منعدمه، لأجل هذا لما أتى المسيح بفكر وتعاليم ثورية تمامًا مدعومة بقوة خارقة على التغيير، قدمها وسلمها لنا بكل وضوح، أخذناها منه، وقولنا له: شكرًا جدًا، لكن تأخرت لذا سنضعك في القالب الخاص بنا، ونحول تعاليمك لدين ونضع له صورة كما أعتادنا، والأعياد -حاضر يا سيدي- سنضع لها بعض اللمسات الخاصة بنا، وكلها لها رموز لأنك أنت شمس البر، وبداية النور، ونعمل خير، ونلجأ إلى “بابا نويل” يوزع هدايا.

سينصب تركيزنا على أنفسنا، وعلى القريبين منا، و-نعمل لك يا سيدي كحك وبسكوت- وكل بلد لها ثقافة ستحتفل بطقوسها الخاصة  واحتفالات كبيرة ونرسل صور وكلام جميل، لكن بعدة مدة من الزمن سوف ننسى أصلًا سبب العيد، ونتذكر كيف نحتفل بالعيد، لكن فقط لكي نحتفل لابد أن يكون لدينا إمكانات، ولو الظروف اختلفت سنحزن، لأننا لا نستطيع أن ننفذ مظاهر الاحتفال هذه…. أي احتفال؟  ألا تعرف! فقد نسينا، لكن انتظر حتى نرى الموضة الحالية وكيف نربط الاحتفال بها.

يقف المسيح متعجبًا ولسانه حاله: كيف وصلتوا لهذا؟ يخبرنا أن هدف العيد هو أن تعيش العيد، وأنا أسسته لك بأقل الإمكانات، ما يعني أنه لو انتبهت، فأنا أتيت وعشت حياة أقل إنسان، شخص فقير وغريب، ليس له مكان يولد فيه، عاش طيلة حياته ليس له أين يسند رأسه، حتى لا يأتي يوم تقول: أنا لا أستطيع أن  أعيش مثلك (مثل برامج الطبخ حين يقول لك هذه الطبخة بأقل الإمكانات، وأكيد موجودة في كل بيت، لكن هل هذا حقيقي!)

إذا انتبهنا للميلاد، فهدفه أن تعيش الفرح الحقيقي، والرجاء أن تعرف أن الله الذي تعتقد أنه فوق في السماء يكرهك وغاضب عليك، ومغتاظ منك، لكنه يحبك جدًا، ومشغول بك وبحياتك الأرضية والأبدية.

إن الأرض ليست لعنة، فهي عمل يد ربنا الجميل، وما بين السماء والأرض لا توجد حرب، لكن في صلح وسلام، وكل هذا من أجلك أنت يا إنسان، أيًا كان مكانك، لونك، عقيدتك، تعيش في فرح: المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة، والرسالة كانت للجميع، المشغول بها ومن بحث عنها مثل المجوس، ووصلوا لها، ومن لا يعرف عنها شيئًا، ولا يفكر بها مثل الرعاة وصلت له بنفسها، ومن خدعه قلبه وذاته، وأغُشيت عينيه مثل هيرودس، أيضًا مرت عليه.

ماذا يعني كل هذا؟ معناه أنه لو لم نستطع في العيد أن نعيش هذه اللحظات، ونفهم ونستوعب أن المسيح يُولد كل يوم، والصلح يقدم كل لحظة، والفرح هو نتيجة طبيعية ل الذي هو فوق الزمان، سواء لأننا مشغولين بالشجرة وبابا نويل والهدايا والأكل، أو لأننا لسنا قادرين أن نُحضر الشجرة وبابا نويل والأكل الكفاية، نكون غير فاهمين ما نُعيد وما نصلي لأجله.

رسالة الميلاد هي الفرح، أيًا كان حالك أو مكانك، لأنه فرح نابع من داخلك، المسيح الذي بداخلك، المولود من قبل كل الدهور، مثل اللمبة الكهرباء، هو موجود جواك built in، أنت مولود به، وبالمناسبة لا تقدر أن تخرجه من جواك، لكن تقدر بفهمك وإحساسك أن تضع “الفيشة” فينبع النور من داخلك، وتجد نفسك حتى في عز ظلام الحياة، مكان ما تصل يضيء نورك وتنشر خير وفرح.

أيضًا، يمكنك أن تشغل نفسك عنه بأمور كثيرة، فيكون الظلام مظهرك، مهما كان بالخارج مظاهر عيد وفرح، فتجد نفسك تقول: “الأعياد مبقاش لها طعم، والأيام صعبة والظروف متعبة”، كأن المسيح الذي تحتفل بميلاده وُلد في قصر به زينة الميلاد وأشجاره، وكان ينتظره “بابا نويل بالهدايا”.

Merry Christmas عيد ميلاد مجيد.

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]