Search
Close this search box.
أحب كنيسة الله الكاثوليكية حبّا جمًا، وأراها الكنيسة "النموذج"، وأنها الكنيسة الأكثر تلقيًا لعمل روح الله. أثمّن جدًا تاريخها القديم المشترك مع كنيستي، وأغفر لها تصاعد "اللاونية" لأنها ثابت إلى رشدها. أحببت الرجل أيضًا، رغما عن بعض تصرفاته التي صنفتها كحماقات فاخرة، ورأيته دائمًا وجهًا مشرقًا ناصعًا للمسيحية العالمية. ولكني الآن -وأصدقكم القول- في أعلى درجات التوجس. فهناك من حفر مسارب جديدة للنهر لتقود القارب إلى هذا الشلال.

البابا الكاريزمي قد احكم قبضته الحريرية على كل مفاصل ، بل ومستقبلها، وهو ما فشل فيه باباوات عتاة وفي كنائس أصغر بما لا يقارن. منذ شهرين فقط، رفع قداسته إلى رتبة الكردينال 21 أسقفًا، ليتمتعوا بارتداء القبعة الأرجوانية، وينضموا إلى مجلس الكرادلة، ليرفعوا مستوى سيطرة أنامل قداسته على الهيئة الأكثر أهمية، والمُناط بها القادم إلى 75% من إجمالي عدد الكرادلة بالمجلس.

قبل هذا التعامل الأخير مع مجلس الكرادلة، كانت هناك خطوة أخري لا تقل أهمية، ولكن دعنا نبدأ مبكرًا قليلًا.

كاثوليكيًا، للزواج قدسية خاصة، حتى أنه الوحيد عالميًا غير القابل للفصم طالمًا بقي طرفاه أحياء، ومع هذه القدسيّة -وربما بسبب هذه القدسيّة- تسبب الزواج في الإطاحة باثنين متعاقبين من رؤساء مجمع العقيدة والإيمان بالكنيسة. أولهما الكردينال الألماني المحافظ “جيرارد مولر” [1] أثر رفضه وانتقاده الوثيقة الرسولية “أموريس لاتيتيا – Amoris Laetitia” والتي أعلنها الحبر الأعظم نفسه، ومع ذلك وصفها كرادلة نافذون أنها انفصال عن الإنجيل والعقيدة الكاثوليكية، وأصدروا بيانًا أسموه “تصحيح الأبناء”، ويبدو أن أخوتنا اللاتين مولعون بفخامة الأسماء.

تولى اليسوعي الأسباني “لويس فرانسيسكو لاداريا فيرير” [2]، المقرب جدا من الكرسي الرسولي مقعد “مولر” [3]، ليعين البابا على الدفاع عن توجهاته، وبدا أن الرجل كفء تمامًا لما أنيط به، فعالم اللاهوت الآبائي البارع، والرجل الذي له كتاب عن العلامة السكندري، بالتأكيد قادر على توفير الغطاء “الشرعي” لتوجهات صاحب القداسة.

أُلقيّت في ملعب الرجل كرات كثيرة صعبة، منها موقف المرأة من الشموسية، والتي يبدو أن لغمها قد ينفجر قريبًا، ولكن الكرتين الأصعب كانتا: موضوع “المثلية الجنسية”، وموضوع “الإجهاض”، شكّلا دائمًا الصداع الأكبر للكنيسة، التي تحملت ضغوطًا سياسية هائلة لتغير قناعاتها عنهما، ولكن لم تلن قناتها أبدا، وهناك حادثة شهيرة بين الرئيس الأمريكي “” والبابا “يوحنا بولس الثاني” كان محورها هذين الموضوعين تحديدًا.

بدت كرة “المثلية” تسلك ككرة ثلج، يزيد حجمها مع انزلاقات الحبر الأكبر في تصريحات تتعلق بالأمر، أثارت موجات من عدم الارتياح كنسيًا، حتى اضطر الكثير من الكرادلة لنفي أن ثمة تغييرًا في توجّه الكنيسة، وأن الأمر لا يتخطى أن التصريحات يُساء تأويلها، حتى حزم اثنان من الكرادلة بدعم من ثلاثة كرادلة آخرين أمرهما، وقررا توجيه أسئلة مباشرة للحبر الأعظم عن توجّهه الشخصي، ورأيه في كيفية تعامل الكنيسة مع هذا الملف، الذي بدا أن هناك متغيرات سياسية دولية تكتنفه.

جاءت إجابات قداسته “أفعوانية” كما يليق برجل دين متمرس، وأثارت لغطا واسعًا [4].

أعاد الكرادلة الكرة بصياغات أكثر تحديدًا للأسئلة نفسها، وكان واضحًا أن هناك تصعيدًا في المواجهة من الطرفين، وعندما لم يتلق الكرادلة الإجابات التي انتظرنها، توجهوا بالأسئلة إلى مجمع العقيدة والإيمان مع نشرها على الملأ [5].

وبات واضحًا أن الكردينال “لاداريا” لا يملك إجابات توافق توجهات قداسته، وتهدئ قلق الكرادلة في نفس الوقت، فتمت الإحاطة به، ليأتي قداسته بطفله المدلل الأرجنتيني “” رئيسًا للمجمع. [6]. وتكون هذه الوثيقة الجديدة “انعتاق المتوسلون – ” -والتي قطعت قول كل خطيب- باكورة أعماله [7].

حين أصل لهذه النقطة، سيتوجّب عليَّ الاعتراف بأنني غير مؤهل للحكم على الوثيقة “شرعيًا”، ولكن هذا لن يمنعني من سوق بعض الملاحظات:

منطق الوثيقة هو -وبفوقية إكليريكية معتادة- نحن “المؤسسة” لن ننحشر بين أعضاء الرعية -المسكينة- الجنسية. هل رأيتم نبلا أكثر من هذا!!
الواقع هو: المؤسسة وجدت نفسها غير منحشرة في بعض العلاقات الجنسية، فقررت بسط نفوذها عليها، بعد غياب طويل.

لا أفهم ماذا يقصد هؤلاء السادة بـ “البركة”؟ وهل هي مفهوم إنجيلي أم توراتي؟ وما هو أثرها على متلقيها؟ هل البركة هذه أعظم من المسحة التي نلناها من ومع الرب يسوع المسيح؟ ولماذا ألتمسها من كاهن، إذا كنت أستطيع الاتحاد بالرب نفسه في ال ومن يده هو نفسه؟

هؤلاء السادة لا يتورعون -دون حياء- على استعمال جمل مثل: “استدعاء” الروح القدس، أو “استحضار” بركات الله.
الكارثة أن يظنوا أن هذه هي الحقيقة، وأن الله رهن إشارتهم، ينتظر تمتماتهم ليهرع اليهم، وينفذ ما يطلبون.

عدم وجود كاهن وطقوس، لن يمنع روح الله أن يبارك أزواجًا، في علاقة يراها الله صالحة.
ووجود كل بطاركة الأرض، لن يدعو روح الله أن يبارك أزواجًا، في علاقة لا يراها الله صالحة.

ماذا يستفيد المثليون من “اشتراك” كاهن معهم في الصلاة؟
هل أوصد الله بابه دون المثليين؟ وهل يمتلك الكهنة مفتاحًا لهذا الباب؟؟

إن تمررت نفوس هؤلاء السادة حزنًا على المثليين وخطاياهم، فالتصرف الوحيد الصحيح هو أن تصيغ الكنيسة “أوشية” للصلاة من أجل المنخرطين في علاقات غير طبيعية ليلمس الرب قلوبهم ويعيدهم إلى حضنه. هنا الكنيسة هي من تصلي وليس كاهن مُفتئت على ما ليس له.

The prophecy of st malachyتتبقى معلومة أخيرة، قفزت إلى ذاكرتي عن نبوءة قديمة لقديس كاثوليكي اسمه “ملاخي” عن باباوات روما [8]، ذكر تعدادهم وأطلق عليهم أسماءا لاقت الحقيقة كثيرًا، وطبقا للتعداد، فنحن في مرحلة البابا الأخير، البابا الذي يسبقه أطلقت عليه النبوءة: GLORIA OLIVAE [مجد الزيتون]، وقد ربط البعض بين هذا الاسم وبين البابا .

المواقع الشعبية الإسلامية تمني نفسها بتحقق النبوءة وغزو بنات الأصفر، وبينما لا يعيرها اللاهوتيين الكاثوليك أيّة أهمية، عدا قلّة قليلة، لا شك أن الاهتمام بها وإعادة تأويلها سيتصاعد من الآن.

هوامش ومصادر:
  1. أُقيل الكردينال الألماني المحافظ “جيرارد لودفيج مولر” في 1 يوليو 2017. [🡁]
  2. أُقيل اليسوعي الأسباني “لويس فرانسيسكو لاداريا فيرير” في سبتمبر 2023. [🡁]
  3. راجع وكالة : البابا فرنسيس يزور مقر دائرة عقيدة الإيمان ويشكر الكاردينال لاداريا على خدمته. [🡁]
  4. راجع وكالة فاتيكان نيوز: البابا يرد على تساؤلات خمسة كرادلة. [🡁]
  5. راجع موقع المراقب: الكرادلة غير راضين عن إجابات البابا فرانسيس حول بركات المثليين وسيامة النساء، يطالبون بـ “نعم أو لا”. [🡁]
  6. راجع موقع أبونا: رئيس الأساقفة الأرجنتيني فيكتور مانويل فرنانديز عميدًا لدائرة عقيدة الإيمان. [🡁]
  7. راجع : انعتاق المتوسلون Fiducia Suplicans. [🡁]
  8. Joseph Lumpkin, The Prophecy of Saint Malachy: The Soon Coming End of Days. 2012. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]