Search
Close this search box.
المقال رقم 1 من 5 في سلسلة التأريخ في ضوء ما بعد الحداثة

لفظة “التاريخ” تساوي عند السّواد الأعظم من القُرّاء لفظة “الماضي”، فدارسي التّاريخ عادةً ما يُلقَّنون المعلومات، فيحفظونها عن ظهر قلب، ومن ثمَّ يُلقنونها لآخرين، أو يستخدمونها في حُججهِم باعتبارها الماضي والحقيقة. لكي نفهم ما هو التّاريخ، علينا أن نُفرِّق بين: الماضي، والتّأريخ للماضي.

الماضي هو “ما كان” و”ما حدث”، ما لا يتبقّى منه سوى الآثار والشذرات. أما التّأريخ historiography هو استخدام تِلك الآثار والشّذرات لإعادة تكوين صورة عن الماضي.

في ذلك التّصوُّر كل تاريخ هو تصوُّر، أو بالأحرى قصّة عن الماضي، وإن أردنا أن نستخدم كلمة “الحقيقة” في سياق السّؤال عن “ما كان” فالحقيقة هي الماضي، الحقيقة هي ما لا نعلمه بالكامل، وهي ما نُحاول رَسم صورة له من خلال دراسة ورَبط ما بقي منه من آثارٍ وشذرات.

تتضِح جدليّة الماضي-التاريخ أكثر حينما نُقابلها بجدليّة المعنى-النصّ.

مُهمّة المُفسّر هي الوقوف على قصد كاتب النصّ، ومن خلال الكلمات والتّركيبات اللغويّة، يرسم المُفسِّر تصوُّراً لما كان في ذهن الكاتب حينما كتب النصّ. ولأن الكاتب غائب [1] فالمعنى [الحقيقة] غائب، لا يسَع المُفسِّر إلّا أن يستخدم أدواته وأحيانًا خياله للاقتراب نسبيًا من المعنى.

تُشبه مُهمّة المؤرِّخ مُهمّة المُفسِّر، فكلاهُما يتعقَّب ما لا يعرف، وكلاهُما لا يرجو اليقين.

أفضل ما يُمكن أن يصل إليه المُفسِّر والمؤرّخ هو نظرية ذات قوّة تفسيريّة  explanatory power يُمكنها -بقدر الإمكان- أن تُفسِّر شذرات الماضي [المعنى في حالة المُفسِّر] على ألا تتجاهل -بقدر الإمكان- أيّاً منها.

وعليه، فالتّصوُّر التّاريخي الأفضل [في حالة المُفسِّر] هو ما لا يتجاهل أيّاً من المعطيات المطلوب منه تفسيرها.

أيّ حدث في الماضي هو شبكة شديدة التّعقيد تتداخل فيها مجموعة عوامل لا يُمكن قياس إسهام كل منها في الحدث بشكل موضوعيّ. تخيّل الموقف التّالي: اجتمع عشرة أشخاص في غرفة ومع كل واحد منهم فرشاة ولون مُختلف، وبدأ كل منهم بالرّسم على الجدار. بعد ساعة من الزّمن مرّ ثلاث أشخاص أمام باب الغرفة ونظر كل مِنهُم مِن زاوية مُختلفة، فرأى الأوّل شخصين في الغرفة، وأيضًا رأي ما رسموه والألوان التي استخدموها. أما الثّاني فرأى أربع أشخاص، وهكذا الثّالث خمس أشخاص. كتب كُلّ منهم ما رآه، فوصف الأشخاص ومكانهم من الغرفة وما رسموه على الجدار. وبعدما انتهى كل منهم من الكتابة ترك ما كتبه ورحل، وأيضًا رحل من كانوا داخل الغرفة واغلقوها، وتركَ ثمانية منهم أدواتهم أمام الحجرة. بعد ذلك جاء آخَر فقرأ ما كتبه الثّلاثة الذين مرّوا أمام الغرفة ووجد الأدوات وبدأ يتصوَّر ما حدث في الغرفة.

التأريخ

 

الآن، يُمكن أن نشرح ما حدث بوضوحٍ أكبر. الماضي هو الغرفة، ومَن في الغرفة -كلّ منهم بفرشاته ولونه- هم العوامل التي شكّلت الحدث [الثّقافة والسّياسة والاقتصاد وجغرافيا المكان .. إلخ]. يرى المُعاصرين للحدث الأمر من زوايا مُختلفة، لا يُمكن لأحد منهم أن يرى الغرفة كمن هم في داخلها، ولا يعلم أيّ من المُراقبين دوافع مَن في الغرفة. أدرك المُعاصرين الحدث من الزّوايا التي نظروا منها، وسجّلوا رؤيتهم بناءًا على تصوُّرهم الشخصي، فمثلًا المُعاصر الأوّل رأى العاملين 1 و2 وبالتّالي تصوُّره للحدث سيرتكز على عاملين فقط، بينما المُعاصر الثّاني رأي أربع عوامل (1 و2 و3 و4)، وبالتّالي ستكون رؤيته للحدث أكثر تركيبًا من الأول، بينما رأى الثالث خمس عوامل (1 و4 و5 و6 و10) من شبكة الحدث المُعقّدة، ولكن ينقُص تصوُّر كل منهم بعض العوامل، ويفتقد الثلاثة جميعًا عوامل أخرى (7 و8 و9). ترك المعاصرون كتاباتهم ورحلوا (ماتوا)، وخرج المُشاركين في الحدث من الغُرفة واغلقوها، كما أن الماضِ مُغلقٌ inaccessible أمام المُؤرِّخ، فلا يبقى أمامه سوى الاعتماد على بقايا الحدث (الثّمان فرشات المَتروكة) والمعلومات التي تركها الذين شاهدوا الحدث بجميع نواقصها وإشكاليّاتها.

مما سبق نجد أن رؤية المُعاصرين للحدث هي بالضّرورة ناقصة، ولكنّها لا تتساوى في النّقص، وبما أن مُهمّة المُؤرّخ تبدأ من المصادر القديمة، بالتّالي كل تصُّور ناقص بالضَّرورة، ولكن لا تتساوى جميع التَّصوُّرات في الخطأ، ويظل عامل القياس هو قُدرة كل تصوُّر على تفسير عدد أكبر من الآثار التي تركها الحدث.

في الحدث الموصوف، سجّل المُعاصرين سبع عوامل شَكّلت الحدث، ويرى المؤرّخ أثر ثماني عَوامل، لكنّه لا يعرف (المؤرِّخ، ولا عَرف المُعاصرون) حقيقة عدَد العوامل المُشاركة في الحدث ولا حجم تأثير كل منها في الحدث، وبالتّالي على المؤرّخ أن يُدرك أن تصوُّره النّهائي للحدث مشوب بالنّقص والجهل ولا يساوي بأي حال من الأحوال الماضي نفسه، فأي تصوُّر عما هو داخل الغرفة المُغلقة وعلى الجدران لا يساوي ما هو داخل الغرفة فعلًا، بل هو تصوُّر، أو إعادة بناء، من خلال المعلومات الجُزئيّة والآثار الباقية من الحَدَث.

Companion to the philosophy of history and historiographyفي التأريخ، كما في الحياة والعلوم، تُوجد هُوّة ما بين المعلومات المُتاحة والشيء موضِع الاهتمام. الإشكالية المعرفية عامّة للغاية. في دراسة التّاريخ نهتم بأشخاص في الماضي، بأفعالهم وأفكارهم وأدواتهم. كلّ ما ينبغي أن نتعامل معه كدليل هو نصوصهم الباقية وما تبقّى مما استخدموه. ادعاء المعرفة بالماضي البشري هو افتراض معرفة ما يتخطّى الإدراك المُباشر، وهذا يطرح السؤال عن الدِقة. [2]

تخطّي الهوّة ما بين الدّليل المُتاح والشيء التّاريخي موضع البحث يواجِه صعوبتان مُختلفتان:
الأولى هي أن الأشياء التي نرغب أن نعرف عنها هي في الماضي، ماتت وانتهت وصارت غير قابلة للمُشاهدة.
والثّانية هي أن مُعظم ما يُفحص تاريخيّاً هو أشخاص ذوي إرادة وتفرُّدات وليسوا من ثقافتنا، لذلك فهمهم مُقدّر له أن يكون أكثر صعوبة من فهم جيراننا ومواطني دُوَلنا.

, A Companion to the Philosophy of History and Historiography, Vol.:107, 2011, p.:9

باعدت ما بعد الحداثة بين التّاريخ والماضي، نازعةً التّاريخ من يد الأصوليّة التي طالما استغلَّت التّاريخ لاحتكار الحقيقة، وبالتّالي السّلطة.

اليوم لم يُعد الخلاف التّاريخي خلافًا حول المصادر، فالمصادِر مُتاحة للجميع، جدل اليوم هو حول المَنهجيَّة بالأساس.

ولأن ما بعد الحداثة قد أثرت التأريخ كثيرًا، وشكّلت مَنهجيَّته على مناحٍ عدّة، وجب أن نشرح بعد أعمدة ما بعد الحداثة.

تشتهر ما بعد الحداثة بإنكار الحقيقة، وهي عبارة لا تخلو من خطأ. اعتاد Martin Heidegger أن يضع خطّاً على كلمة الكينونة Sein كي يُشير إلى قصور اللفظة وإلى ضرورتها في الوقت نفسه. [3]

لا يرى فلاسفة ما بعد الحداثة جدوى لكلمة “الحقيقة[4] إذ أن “الحقيقة” يستحيل التّعبير عنها، ولكن تُستخدم فقط لعدم وجود بديل أكثر قُدرة على التّعبير.

السّبب في لا جدوى كلمة “الحقيقة” هو أن الحقيقة هي مجهول يسعى النّاقِد الأدبي والمؤرِّخ لتكوين تصوُّر عَنهُ، لذا فأيّ حديث عن “الحقيقة” لا يُمكن ربطه “بالحقيقة” نفسها أو باعتباره مساويًا لها، بل ما هو إلّا تأويل.

بشكل أكثر حدّة، صاغ الألماني هذا الفكرة فقال: لا توجَد حقائق قائمة بذاتها، فقط توجَد تأويلات. [5] وعليه، فلا يُمكن للمؤرِّخ أن يتكلَّم عن “الحقيقة”، بل عن الصًّورة التي رسمها للماضي من خلال آليّات بحثه.

هذه القراءة وإن كانَت تُضفي شكّاً على التَّاريخ، إلّا أنّها تنزع عباءة اليقين عن القراءات الكلاسيكيَّة التي رسّخت نفسها كعقائد [دوغما ﻻ دحضية] ومُسلّمات ينبغي أن تؤخَذ أو تُرفض بمجموعها. وأيضًا فتحت مجالًا لمُراجعة التّاريخ بعدما رسمت روايات مؤرّخي الجماعات الأولى تصوُّرات عن الماضي استقرت لقرون حتّى أخذت من العقول مَوضعَ الإيمان. بذلك الميل إلى تجنُّب استخدام لفظة “الحقيقة” أسقطت ما بعد الحداثة السُّلطة. فبكون “الحقيقة” مجهولة سقطت سُلطة “الحقيقة” عن كلّ من وما دعم موقفه بها وصار السُّؤال أوّلاً وأخيرًا سؤالًا عن طبيعة المعرفة ومنهجيَّاتها.

هوامش ومصادر:
  1. ما يُعبَّر عنه في الأدب بموتِ الكاتب. [🡁]
  2. Tucker, Aviezer, ed. A Companion to the Philosophy of History and Historiography, Vol.:107, 2011, p.:9 [🡁]
  3. Derrida, Jacques. Of Grammatology. JHU Press, 1997, p. xiv [🡁]
  4. من هذه النقطة وإلى نهاية السلسلة، سنضَع خطاً على كلمة: “الحقيقة” للتّذكير بقصور اللفظة. [🡁]
  5. Brown, Callum G. Postmodernism for historians. Routledge, 2013, p.:4. [🡁]

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

جزء من سلسلة: التأريخ في ضوء ما بعد الحداثة[الجزء التالي] 🠼 [٢] التجريب
[ + مقالات ]