Search
Close this search box.
يشهد ما يسمى "المِلَفّ القبطي" في الصِّحافة المصرية من وجهة نظري ترديًا في الأوضاع ضمن حالة عامة تمر بها الصِّحافة في مصر على المستوى المهني والمادي. ففي الفترة الأخيرة وقعت مجموعة من الأحداث كان التعامل معها بعيدًا عن قواعد المهنية التي يجب أن يتبعها الصحفي أو الوسيلة الإعلامية في تغطية الموضوعات المختلفة.

درج تسمية “المِلَفّ القبطي” على تغطية شؤون الكنائس المصرية خصوصًا “القبطية الأرثوذكسية”، و”شؤون المواطنين المصريين المسيحيين”، حين بدأت أغلب الصحف المصرية في تخصيص صحفي يتابع هذا الشأن، ونظرًا لطبيعته المختلفة بتغطية أمور تخص المسيحية وثقافة المصريين المسيحيين فكانت تلجأ الصحف للبحث عن صحفيين يدينون بـ”المسيحية” لتغطية هذا المِلَفّ، لأنه ستكون لهم خلفية دينية وثقافية يستطيعون من خلالها فهم وشرح التفاصيل المختلفة، ورغم ذلك عمل على هذا المِلَفّ في سنوات مضت زملاء يدينون بـ”الإسلام” لكنهم استطاعوا استيعابه، وتقديم تغطيات مهنية محترمة.

اليوم يشهد هذا المِلَفّ ترديًا غير مسبوق وهو كما ذكرت ضمن حالة عامة تعيشها الصِّحافة المصرية، فقد تسلل إلى عالم الصِّحافة بعض من لم يتعلموا أو يمروا على القواعد المهنية الخاصة بممارسة العمل الصحفي، فنجد بعض التغطيات الصحفية يغلب عليها الهوى الديني وليس القواعد المهنية، وأبسط مثال على هذا، الموضوع الأخير الخاص بـ”المعجزة المدعاة” في كنيسة عزبة النخل.

من أصعب التحديات التي قد تقابل الصحفيين الذين يدينون بالمسيحية في تغطية هذا المِلَفّ هو أن يتعاملوا كمسيحيين لا كصحفيين، بمعنى أن يكون ولاء الصحفي لكونه يدين بالمسيحية وليس لكونه يعمل صحفيًا تحكمه قواعد مهنية يجب أن يسير عليها، فمثلًا يتعامل البعض بمنطق أنه يريد أن تظهر الكنيسة كمؤسسة بصورة جيدة فقط، وهذا ليس دور الصحفي، بل دوره أن يقدم تغطية موضوعية ويكون له دور مؤثر في تغطية المشكلات التي تقابل المواطنين المسيحيين مع مؤسسات الدولة أو الكنيسة، خصوصًا تغطية المشكلات التي تخص الفئات الأضعف منهم الذين يتعرضون للعنف أو لا يستطيعون الحصول على حقوهم.

ومن التحديات التي تقابل الصحفيين الذين يدينون بالمسيحية في هذا المِلَفّ، أن تتعامل معهم المصادر داخل الكنائس خصوصًا من الكهنة والأساقفة باعتبار أنهم أبنائهم في “” لا كصحفيين يمثلون مؤسساتهم الصحفية ويجب أن تكون بينهم علاقة مهنية ندية بين صحفي ومصدر، فالعلاقة هنا تكون غير متكافئة ويعاني الصحفي الذي يريد أن يتعامل وفق إطار مهني في رسم علاقة مهنية، ربما يكون الصحفي الذي يدين بالإسلام له حظًا أوفر، بسبب اختلاف الدين ومحاولة “الأكليروس” التعامل مع الآخر المختلف دينيًا بطريقة فيها تعاون أكثر لإظهار السماحة والود مع الآخر المختلف دينيًا.

أما عن وسائل الإعلام التي تتبع الكنيسة فهي تعاني من غياب قواعد المهنية، فوسائل الصِّحافة والإعلام دورها احترام عقول المشاهدين والمتابعين والقراء وتقديم معلومات وأخبار موثقة وفق القواعد المهنية، وليس دورها الترويج للمعجزات بعرض أدلة غير كاملة ولا تثبت شيئًا مما يتم الترويج له.

وعندنا مثال في واحدة من القنوات المنسوبة للكنيسة، وهي قناة غير رسمية بمعنى أنه لا يملكها المركز الإعلامي البابوي، ولكنها تقدم نفسها باعتبارها من قنوات الكنيسة الرسمية، ومن خلالها تم الترويج لـ”المعجزة المزعومة” في افتئات على دور البطريركية التي من المفترض أن تشكل لجنة تحقيق لمحاولة تفسير ما حدث بشكل علمي، وعند غياب التفسير العلمي أو عدم الوصول له في الوقت الحالي قد تقول الكنيسة إن هناك “معجزة”، وهو ما لم يحدث من الكنيسة كمؤسسة.

ومن أزمات في مِلَفّ الإعلام أن هذه القنوات الفضائية تدعي أنها قنوات الكنيسة الرسمية ولسان حالها، لكن ولا واحدة منها تدار من المركز الإعلامي البابوي أو بشكل مؤسسي من الكنيسة، فواحدة تم تأسيسها بمال خاص وكانت تحابي ضمنيًا أحد الأساقفة من سكرتارية البابا الراحل ال الثالث، وفي المقابل أنشأ الأسقف الآخر من السكرتارية بمساعدة مَطْرَان دمياط الراحل قناة أخرى في مواجهة القناة التي نشأت أولًا، وهي الآن تعمل لحسابه الخاص، بل وتذيع لكهنة وأساقفة برامج لمهاجمة بابا الكنيسة الأنبا وتروج التعصب والتدليس أحيانًا، أما القناة الأخيرة فهي تخص أخر أسقف من سكرتارية البابا الراحل وتسلك اتجاه مختلف بالبعد عن المشكلات وعرض الصلوات وبعض البرامج الدينية الروحية، ولا تشتبك مع الحياة العامة.

فهل يمكن تنظيم هذه الفوضى يومًا ما أم يظل الوضع كما هو سواء بأن يكون للكنيسة قناة رسمية واحدة تدار من خلال المركز الإعلامي البابوي، تكون صوت الكنيسة الرسمي بشكل مهني وفق قواعد الصِّحافة والإعلام، وأن يكون هناك علاقة مهنية واضحة يسودها الاحترام والتعاون بين الصحفي المتابع لشؤون الكنائس والمسؤولين عن التواصل مع الصحفيين من الكنائس، وأن تدرب الصحف العاملين في هذا المِلَفّ على دورهم والمطلوب منهم بشكل مهني أيًا كان انتمائهم الديني؟

كيف تقيّم هذا المقال؟

← إتجاه ← التقييم ← اﻷعلى ←

المتوسط الحالي حسب تقييمات من القراء

كن أوّل من يقيّم هذا المقال

بما أن المقال أعجبك..

ربما اﻷفضل مشاركته مع دوائرك كي يحظى بانتشار أوسع

من المحزن أن يكون تقييمك للمقال سلبيا

دعنا نعمل على تحسين ذلك

أخبرنا.. كيف يمكن تحسين المقال؟

[ + مقالات ]

باحث وكاتب صحفي ومتابع للشأن الكنسي وشئون الأقليات